السيد محسن الأمين
157
أعيان الشيعة ( الملاحق )
في قبا لضربوا اليه أكباد الإبل وهذا نص من سعد على استحباب ضرب أكباد الإبل اليه الذي لا يكون الا بالسفر اليه من مكان بعيد ( وروى ) الطبراني من توضأ فأسبغ الوضوء ثم غدا إلى مسجد قبا لا يريد غيره ولا يحمله على الغدو الا الصلاة في مسجد قبا فصلى فيه أربع ركعات كان له أجر المعتمر إلى بيت الله نقله في إرشاد الساري وسيأتي في آخر هذا الفصل أحاديث ان فاطمة ( ع ) كانت تزور قبر عمها حمزة بين اليومين والثلاثة وكل جمعة وفيه دلالة على جواز السفر للزيارة واستحبابه لعدم تعقل الفرق بين السفر الطويل والقصير وبين أحد والمدينة نحو مما بينها وبين قبا أو أزيد ويدل على شد الرحال الحديث الخامس المتقدم من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني والزيارة بعد الحج لا تكون الا بشد الرحال وأظهر فيما قلناه الحديث الآخر لمسلم تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد بصيغة الإثبات أي ان هذه المساجد الثلاثة تستحق وتستأهل شد الرحال إليها لعظم فضلها فهي حقيقة وجديرة بذلك وشاد الرحال إليها لا يكون عناؤه ضائعا وتعبه خائبا أو فائدته قليلة بل يحصل من الثواب على ما يقابل تعبه وزيادة ( قال القسطلاني ) في إرشاد الساري شرح صحيح البخاري « 1 » . في شرح قوله لا تشد الرحال اي إلى مسجد للصلاة فيه ثم قال وقد يقابل تعبه وزيادة ثم قال وقد بطل بما مر من التقدير المعتضد بحديث أبي سعيد المروي في مسند أحمد بإسناد حسن مرفوعا لا ينبغي للمطي ان تشد رحاله إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والأقصى ومسجدي هذا - قول ابن تيمية حيث منع من زيارة قبر النبي ( ص ) وهو من أبشع المسائل المنقولة عنه ومن جملة ما استدل به على دفع ما ادعاه غيره من الإجماع على مشروعية زيارة النبي ( ص ) ما نقل عن مالك انه كره ان يقول زرت قبر النبي ( ص ) وأجاب عنه المحققون من أصحابه انه كره اللفظ أدبا لا أصل الزيارة فإنها من أفضل الأعمال وأجل القرب الموصلة إلى ذي الجلال وان مشروعيتها محل إجماع بلا نزاع قال فشد الرحال للزيارة أو نحوها كطلب علم ليس إلى المكان بل إلى من فيه وقد التبس ذلك على بعضهم كما قاله المحقق التقي السبكي فزعم أن شد الرحال إلى الزيارة في غير الثلاثة داخل في المنع وهو خطا كما مر لأن المستثنى انما يكون من جنس المستثنى منه كما إذا قلت ما رأيت الا زيدا أي ما رأيت رجلا واحدا الا زيدا لا ما رأيت شيئا أو حيوانا الا زيدا انتهى وقال القسطلاني في موضع آخر « 2 » الاستثناء مفرغ والتقدير لا تشد الرحال إلى موضع ولازمه منع السفر إلى كل موضع غيرها كزيارة صالح أو قريب أو صاحب أو طلب علم أو تجارة أو نزهة لأن المستثنى منه في المفرغ يقدر باعم العام لكن المراد بالعموم هنا الموضع المخصوص وهو المسجد انتهى ( وقال النووي ) في شرح صحيح مسلم في شرح قوله لا تشد الرحال إلخ « 3 » فيه بيان عظيم فضيلة هذه المساجد الثلاثة ومزيتها على غيرها لكونها مساجد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ولفضل الصلاة فيها ( إلى أن قال ) واختلف العلماء في شد الرحال وإعمال المطي إلى غير المساجد الثلاثة كالذهاب إلى قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا هو حرام وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره والصحيح عند أصحابنا وهو الذي اختاره امام الحرمين والمحققون انه لا يحرم ولا يكره قالوا والمراد ان الفضيلة التامة انما هي في شد الرحال إلى 157 هذه الثلاثة خاصة وقال في موضع آخر « 4 » في هذا الحديث فضيلة هذه المساجد الثلاثة وفضيلة شد الرحال إليها لأن معناه عند جمهور العلماء لا فضيلة في شد الرحال إلى مسجد غيرها وقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا يحرم شد الرحال إلى غيرها وهو غلط انتهى ( وقال السندي ) في حاشية سنن النسائي ان السفر للعلم وزيارة العلماء والصلحاء وللتجارة غير داخل في حيز المنع انتهى وقال السمهودي في وفاء الوفا « 5 » . ويستدل بقوله تعالى وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ الآية على مشروعية السفر للزيارة بشموله المجيء من قرب ومن بعد وبعموم من زار قبري وقوله في الحديث الذي صححه ابن السكن من جاءني زائرا وإذا ثبت ان الزيارة قربة فالسفر إليها كذلك وقد ثبت خروج النبي ( ص ) من المدينة لزيارة قبور الشهداء فإذا جاز الخروج للقريب جاز للبعيد وقبره ( ص ) أولى وقد انعقد الإجماع على ذلك لاطباق السلف والخلف عليه واما حديث لا تشدوا الرحال الا إلى ثلاثة مساجد فمعناه لا تشدوا الرحال إلى مسجد الا إلى المساجد الثلاثة إذ شد الرحال إلى عرفة لقضاء النسك واجب بالإجماع وكذلك سفر الجهاد والهجرة من دار الكفر بشرطه وغير ذلك وأجمعوا على جواز شد الرحال للتجارة ومصالح الدنيا وقد روى ابن شبة بسند حسن ان أبا سعيد يعني الخدري ذكر عنده الصلاة في الطور فقال قال رسول الله ( ص ) لا ينبغي للمطي ان تشد رحالها إلى مسجد يبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى فهذا الحديث صريح فيما ذكرناه على أن في شد الرحال لما سوى هذه المساجد الثلاثة مذاهب نقل إمام الحرمين عن شيخه انه أفتى بالمنع قال وربما كان يقول يكره وربما كان يقول يحرم وقال الشيخ أبو علي لا يكره ولا يحرم ( إلى أن قال ) وقال المارودي من أصحابنا ( يعني الشافعية ) عند ذكر من يلي أمر الحج فإذا قضى الناس حجهم سار بهم على طريق مدينة رسول الله ( ص ) رعاية لحرمته وقياما بحقوق طاعته وذلك وان لم يكن من فروض الحج فهو من مندوبات الشرع المستحبة وعبادات الحجيج المستحسنة وقال القاضي الحسين إذا فرغ من الحج فالسنة ان يأتي المدينة ويزور قبر النبي ( ص ) وقال القاضي أبو الطيب ويستحب أن يزور النبي ( ص ) بعد أن يحج ويعتمر وقال المحاملي في التجريد ويستحب للحاج إذا فرغ من مكة أن يزور قبر النبي ( ص ) وقال أبو حنيفة إذا قضى الحاج نسكه مر بالمدينة ( إلى أن قال ) وفي كتاب تهذيب المطالب لعبد الحق سئل الشيخ أبو محمد بن أبي زيد في رجل استؤجر بمال ليحج به وشرطوا عليه الزيارة فلم يستطع ان يزور قال يرد من الأجرة بقدر مسافة الزيارة وقال في موضع آخر « 6 » وممن سافر إلى زيارة النبي ( ص ) من الشام إلى قبره ( ع ) بالمدينة بلال ابن رباح مؤذن رسول الله ( ص ) كما رواه ابن عساكر بسند جيد عن أبي الدرداء قال لما رحل عمر بن الخطاب من فتح بيت المقدس فصار إلى جابية سأله بلال ان يقره بالشام ففعل قال ثم إن بلالا رأى في منامه النبي ( ص ) وهو يقول ما هذه الجفوة يا بلال اما آن لك ان تزورني يا بلال فانتبه حزينا وجلا خائفا فركب راحلته وقصد المدينة فاتى قبر النبي ( ص ) فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه فاقبل الحسن والحسين فجعل يضمهما ويقبلهما فقالا له يا بلال نشتهي ان نسمع أذانك فلما قال الله أكبر ارتجت المدينة فلما قال أشهد ان لا إله إلا الله ازدادت رجتها فلما قال أشهد ان محمدا رسول الله خرجت
--> ( 1 ) صفحة 329 ج 2 ( 2 ) صفحة 333 ج 2 . ( 3 ) صفحة 37 ج 6 بهامش إرشاد الساري . ( 4 ) صفحة 111 ج 6 بهامش إرشاد الساري . ( 5 ) صفحة 414 ج 2 ( 6 ) صفحة 408 ج 2 .